من طفلٍ متبنّى بعيدًا عن الوطن إلى صخرة دفاع المغرب… آدم ماسينا، قائد بالصدفة وقصة أكبر من كرة القدم
برز اسم غير متوقع لدى الجمهور العريض خلال كأس أمم أفريقيا 2025 المقامة في المغرب. فآدم ماسينا لم يكن اكتشافًا جديدًا كليًا لا للجماهير المغربية ولا لمتابعي الكرة الأفريقية، إذ سبق له المشاركة في نسخة 2021 بالكاميرون، لكنه هذه المرة فرض نفسه بطريقة غير متوقعة داخل التشكيلة الأساسية للمنتخب المغربي، لينتهي به الأمر محط اهتمام وتساؤلات الشارع الرياضي.
المدافع البالغ من العمر 32 عامًا، ولاعب تورينو الإيطالي، لم يكن مرشحًا أصلًا ليكون عنصرًا أساسيًا في هذه البطولة. غير أن إصابة رومان سايس أمام جزر القمر، إلى جانب العروض غير المقنعة لجواد الياميق، فتحت له باب المشاركة بداية من مواجهة زامبيا، وهي الفرصة التي استغلها جيدًا ولم يخرج بعدها من التشكيلة. ومع تقديمه أداءين جيدين أمام نيجيريا بقيادة أوسيمين ولوكمان، ثم أمام الكاميرون، بدأ ماسينا أخيرًا ينال قدرًا من الرضا داخل الخط الخلفي المغربي، بعد سنوات كان خلالها أحد أكثر الأسماء تعرضًا للانتقاد.
قصة آدم ماسينا تحمل خصوصية كبيرة. وُلد في خريبكة بالمغرب تحت اسم آدم الزاهي، قبل أن يُتَبنى من طرف عائلة إيطالية وهو في سن العامين، بعد وفاة والدته ومعاناة والده البيولوجي من إدمان الكحول، ما دفعه للتخلي عنه وعن شقيقه. منقطعًا عن المغرب، نشأ ماسينا في مدينة بولونيا، حيث شق طريقه في عالم كرة القدم، أولًا مع بولونيا ثم مع واتفورد الإنجليزي، كلاعب ظهير أيسر.
في بداياته الدولية، طرق باب المنتخب الإيطالي، وكان يرغب في تمثيله لشعوره الكامل بالانتماء لإيطاليا. ورغم مشاركاته مع منتخبات الشباب، لم تصله الدعوة إلى المنتخب الأول، وهو ما فتح الباب أمام المنتخب المغربي، الذي كان يعاني من خصاص واضح في مركز الظهير الأيسر خلال فترة وحيد خليلوزيتش. بعد أشهر طويلة من التفاوض والصراع الداخلي، قبل ماسينا أخيرًا تمثيل المغرب في 2021، في خطوة قوية للاعب لم يكن قد عاد إلى بلده الأم منذ طفولته، وكان يربط المغرب بذكريات مؤلمة من ماضيه العائلي.
رغم افتقاره لمعرفة الثقافة المغربية، فرض آدم ماسينا نفسه سريعًا في منظومة خليلوزيتش، لكن أسلوبه الدفاعي الصلب، وقامته الطويلة (1.93 م)، جعلاه عرضة للانتقادات، خاصة في ظل تطور دور الظهير الأيسر حديثًا. وبعد مشاركته الجيدة في كأس إفريقيا 2021، غاب عن المنتخب بسبب الإصابات، ثم خرج تقريبًا من حسابات وليد الركراكي مع توليه المهمة.
على مستوى الأندية، غادر واتفورد وعاد إلى إيطاليا بحثًا عن دقائق لعب، وأعاد توجيه مسيرته كمُدافع قلب، وهو مركز يتماشى أكثر مع خصائصه. ومع استمرار بحث المنتخب المغربي عن حل في محور الدفاع، أُعيد استدعاؤه أواخر 2024، وجُرّب في بداية 2025 إلى جانب نايف أكرد دون أن يترك انطباعًا قويًا في البداية. وكان الركراكي يفضل إيجاد مدافع أيمن لتفادي إشراك أكرد بالقدم غير المفضلة، وهو ما يفسر أيضًا استدعاء رومان سايس المفاجئ لهذه النسخة.
وفي هذا السياق، أوضح وليد الركراكي مؤخرًا أن تردده بخصوص ماسينا كان مرتبطًا أساسًا بقلة دقائق لعبه مع تورينو ونقص الإيقاع، رغم معرفته المسبقة بإمكانياته وقدرته على التأقلم السريع. ومع تقدم البطولة، بدأ ماسينا يكتسب الثقة تدريجيًا، بهدوء ودون ضجيج، مع حضور قوي داخل غرفة الملابس وقيادة واضحة للخط الخلفي، حتى عندما كان على مقاعد البدلاء في المباريات الأولى.
صحيح أن أداءه لم يخلُ من بعض التدخلات المتسرعة التي أثارت الشكوك، سواء أمام تنزانيا في ثمن النهائي أو ضد مبويمو في ربع النهائي، إلا أن صلابته في الالتحامات كانت واضحة، خاصة في مواجهة نيجيريا. واليوم، يُتوقع أن يكون أساسيًا في النهائي أمام السنغال، مدفوعًا برغبة قوية في كتابة صفحة استثنائية في مسيرته: التتويج بلقب قاري مع منتخب بلده الأصلي بعد رحلة حياة معقدة ومليئة بالتناقضات. ستكون واحدة من أجمل قصص هذه النسخة، لكن تحقيقها يمر عبر تحدٍ كبير: الصمود أمام الترسانة الهجومية السنغالية لمدة 90 دقيقة… أو أكثر.




