تشيلسي يختار من الدائرة القريبة: لماذا راهن تشيلسي على روزينيور؟
لم يحتج نادي تشيلسي إلى توسيع نطاق بحثه كثيرًا عن مدرب جديد، بعد إنهاء التعاقد مع إنزو ماريسكا الأسبوع الماضي. فمع نموذج «بلو كو» القائم على تعدد الأندية، اعتاد النادي اللندني ربط لاعبين مع الشريك ستراسبورغ، لكن هذه المرة جاء الدور على الرجل الموجود في المنطقة الفنية، حيث تم تعيين ليام روزينيور بديلًا لماريسكا.
خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، كان التذبذب العنوان الأبرز لمسيرة تشيلسي. التتويج بلقب دوري المؤتمر الأوروبي، والفوز على باريس سان جيرمان في نهائي كأس العالم للأندية، أوحيا بأن الفريق يستعد للدخول في مرحلة جديدة مع موسم 2025-2026. الانتصارات على برشلونة وليفربول مثّلت قممًا واضحة، لكن التعادل مع بورنموث، والخسارتين أمام ليدز يونايتد وسندرلاند الصاعدين حديثًا، أعادتا الشكوك من جديد.
ورغم ذلك، تبقى القاعدة متينة نسبيًا لأي مدرب جديد. تشيلسي يحتل المركز الخامس في الدوري، وتبدو حظوظه قوية في بلوغ الأدوار الإقصائية من دوري أبطال أوروبا. غرس الاستمرارية داخل مجموعة شابة إلى هذا الحد مهمة معقدة، لكن قلة من المدربين في أوروبا يبدون أكثر ملاءمة لهذا التحدي من روزينيور.
في هذا السياق، يقدم موقع «ذا أثلتيك» تحليلًا مفصلًا لأسلوب المدرب البالغ 41 عامًا.
براغماتية تكتيكية بدل الجمود
في زمن يُشاد فيه بالمدربين أصحاب المبادئ الصارمة غير القابلة للتنازل، يبرز روزينيور بمرونة منعشة. فريقه في ستراسبورغ قادر على تغيير الرسم التكتيكي وفقًا للمنافس، متنقلًا بين خط دفاع ثلاثي غالبًا بصيغة 3-4-2-1، أو خط رباعي عبر 4-3-3 و4-2-3-1.
يتجلى ذلك بوضوح في شبكات التمرير الأخيرة للفريق، حيث يلفت الانتباه التقدم الكبير لحارس المرمى مايك بيندرز في موقعه الأساسي. الحارس البالغ 20 عامًا، والمعار من تشيلسي، يُعد عنصرًا محوريًا في بناء اللعب، إذ ينضم إلى خط الدفاع أثناء الاستحواذ ويستثمر قدرته على التمرير التقدمي. وللتوضيح، لا يوجد حارس في الدوري الفرنسي (ممن لعبوا أكثر من 900 دقيقة) يلمس الكرة خارج منطقة جزائه بمعدل أعلى من بيندرز، الذي يصل إلى 39.4 لمسة كل 90 دقيقة.
السيطرة عبر الاستحواذ… لكن بهدف واضح
تعظيم السيطرة من خلال الاستحواذ سمة أساسية لدى روزينيور، مع اعتماد واضح على التمريرات القصيرة والسريعة. اللافت ليس المبدأ بحد ذاته، بل مدى الالتزام به؛ إذ لا تتجاوز نسبة التمريرات الطويلة (أكثر من 35 ياردة) لدى ستراسبورغ 6%، وهي نسبة أقل من جميع فرق الدوريات الخمسة الكبرى باستثناء باريس سان جيرمان وبرشلونة.
هذا الأسلوب ينعكس عند مقارنة طريقة لعب الفريق بمثيلاتها في أقوى سبعة دوريات أوروبية خلال موسم 2024-2025. فالبناء العميق داخل الثلث الدفاعي يبلغ درجة عالية من التنظيم، كما يسعى الفريق بوضوح إلى تمرير الكرة عبر عمق الملعب لدعم التقدم الهجومي.
الأهم أن هذا الاستحواذ ليس بلا غاية. فبينما اشتكى بعض مشجعي تشيلسي سابقًا من استحواذ صبور بلا أنياب في عهد ماريسكا، يختلف الأمر لدى ستراسبورغ. الفريق لا يركز كثيرًا على الهيمنة الميدانية، بل يفضّل تسريع اللعب فور ظهور المساحات، وصناعة فرص عالية الجودة عندما يختل تنظيم الخصم. لذلك، تُصنَّف جودة التسديدات لديهم ضمن الأعلى أوروبيًا.
أنماط هجومية متكررة وفعالة
أحد الأمثلة البارزة جاء في مواجهة بريست خلال أكتوبر، حين تبادل خوليو إنسيسو وسمير المرابط التمرير السريع، قبل أن يمرر الأخير كرة مباشرة للمهاجم خواكين بانيكيلي، الذي سحب قلب الدفاع معه. في اللحظة ذاتها، انطلق بن تشيلويل في تحرك ثالث ذكي على الجهة اليسرى، ليصل إلى الكرة ويعرضها بدقة لسام أمو-أمياو، الذي أنهى الهجمة من لمسة واحدة.
النمط نفسه تكرر في مباراة دوري المؤتمر الأوروبي أمام كريستال بالاس، مع تمريرات من لمسة واحدة اخترقت العمق، وانطلاقة ثالثة من دييغو موريرا على الجهة اليسرى، انتهت بعرضية ترجمها إيمانويل إيميغا إلى هدف مباشر. هذا التشابه يوضح بجلاء البصمة التي رسخها روزينيور.
هذه السيولة في الاستحواذ تسمح للاعبين بالتناوب على المراكز، وجذب الخصم، ثم ضرب المساحات الناتجة. ونتيجة لذلك، لا يتفوق على ستراسبورغ في عدد «التسديدات الواضحة» — كما تعرفها أوبتا — سوى أتلتيكو مدريد، ريال مدريد، وبايرن ميونيخ، بمعدل 3.1 فرصة واضحة كل 90 دقيقة.
شراسة بدون كرة وضغط عالٍ
دفاعيًا، بنى روزينيور فريقًا جريئًا يعتمد الضغط العالي بكثافة وحماس. في حديثه لبودكاست «ذا أثلتيك إف سي»، أوضح فلسفته قائلًا إن السيطرة لا تعني فقط امتلاك الكرة، بل السيطرة على المساحات، معتبرًا أن الضغط امتداد طبيعي للرغبة في اللعب والطاقة.
وفقًا لمجريات المباراة، يميل ستراسبورغ إلى مطابقة الخصم رجلًا لرجل في الثلث الأمامي، بهدف استعادة الكرة قريبًا من المرمى وتعظيم فرص التسجيل. ومنذ وصول روزينيور في 2024، ارتفع عدد استعاداته للكرة في الثلث الهجومي مقارنة بفترة باتريك فييرا، حتى بات الفريق ثاني أكثر فرق الدوري الفرنسي تسجيلًا للأهداف بعد افتكاك عالٍ، خلف باريس سان جيرمان فقط.
مشهد مباراة التعادل 3-3 أمام باريس سان جيرمان في أكتوبر يلخص هذه الروح. حين استلم ديزيريه دوي الكرة، ضغط ستراسبورغ بشجاعة وأغلق كل خيارات التمرير، ومع وجود ستة لاعبين في الثلث الهجومي، قُطعت الكرة بسرعة وتحولت لهدف منح التقدم المؤقت للفريق.
التعامل مع أصغر تشكيلة في أوروبا
هذا الحماس، داخل الملعب وخارجه، يحتاج إلى إدارة دقيقة بالنظر إلى صغر سن التشكيلة. ستراسبورغ يملك أصغر فريق في الدوريات الخمسة الكبرى بمتوسط عمر 21.9 عامًا، أي أصغر بأكثر من عامين من أقرب منافسيه.
ورغم أن صغر السن ارتبط أحيانًا بالسذاجة وقلة الخبرة في تشيلسي، يؤكد روزينيور على توجيه هذه الجرأة بشكل إيجابي. فهو يرى أن التعليم والمساءلة أهم من الغضب على الأخطاء، معتبرًا أن ميزة اللاعبين الشباب تكمن في جرأتهم وغياب الخوف.
صحيح أن الأضواء في فرنسا أقل حدة مما هي عليه في الدوري الإنجليزي، حيث تُضخم الأخطاء الصغيرة داخل محيط تشيلسي، لكن روزينيور يبدو مؤهلًا لقيادة مجموعة قليلة الخبرة. خبرته في إنجلترا، سواء في التشامبيونشيب مع هال سيتي أو تجربته المؤقتة مع ديربي كاونتي، إضافة إلى مسيرته كلاعب عبر سبعة أندية إنجليزية، تمنحه قاعدة مهمة للاستعداد لمتطلبات البريميرليغ.
أثر واضح ونموذج متكامل
تأثير روزينيور في فرنسا لا يمكن التقليل منه. فقد قاد ستراسبورغ إلى المركز السابع المؤهل أوروبيًا في موسمه الأول، بعد أن أنهى الفريق الموسمين السابقين في المركزين 13 و15. وعلى مستوى تصنيف «إيلو»، بلغ النادي أعلى تقييم في تاريخه تحت قيادته، ما يعكس حجم التطور.
نموذج «بلو كو» أسهم في هذا النجاح عبر الاستثمار في مواهب شابة واعدة، وتطويرها ضمن منظومته. انتقال روزينيور إلى تشيلسي يرسخ الفكرة ذاتها، ويؤكد إيمان المُلّاك بالاستثمار ليس فقط في اللاعبين الشباب، بل في المدربين الشباب القادرين على بناء مشروع طويل الأمد.



