الجزائر الأكثر تضررًا: مونديال الرحلات الطويلة… الوجه الخفي لجدول كأس العالم 2026

رغم العمل الهندسي الرياضي الضخم، فإن القرعة التي كُشِف عنها النقاب مساء الجمعة، في ختام حفل طويل، أظهرت منذ الآن وجهاً آخر أقل إشراقاً. بعض المنتخبات لن تفلت من رحلة أشبه بجولة عبر قارة كاملة. الجدول النهائي، الذي أصبح الآن شبه مكتمل باستثناء آخر مباريات الملحق المقررة في مارس المقبل، قدّم أولى المؤشرات. كبار المنتخبات باتوا يعرفون تماماً ما ينتظرهم. ألمانيا، الأرجنتين، أو إسبانيا ورثت مجموعات واضحة المعالم، بينما أُلقي بالمنتخب الفرنسي في مجموعة شديدة الصعوبة تضم السنغال والنرويج، قبل مواجهة الفائز من ملحق قاري مفتوح على كل الاحتمالات.

منافسة قوية تنتظر “الديكة” منذ البداية. ومع ذلك، فإن ما يتجاوز الجانب الرياضي هو ما يلفت الانتباه فعلاً: الجغرافيا. فمع وجود 16 مدينة مضيفة موزعة على ثلاثة بلدان، لا تتمتع كل المجموعات بظروف متكافئة، وبعض المسارات أقرب إلى ماراثون جوي منها إلى مرحلة مجموعات. وفي الوقت الذي تُنهي فيه المنتخبات المتأهلة اختيار مقراتها الأساسية وتحضير تنظيمها الداخلي، يبرز عامل واحد يبدو حاسماً في الأداء النهائي: حجم التنقلات التي يفرضها جدول المباريات. ففي حين ستستفيد بعض المنتخبات من برنامج متماسك وقصير المسافات، تستعد أخرى لتكرار الرحلات الجوية لمسافات تتجاوز أحياناً 4000 كيلومتر. وهو تحدٍ حقيقي لاسترجاع اللياقة، وإدارة النوم، والاستعداد الذهني.

الجزائر أمام ماراثون جوي

من بين المنتخبات الأقل حظاً جغرافياً وبفعل الصدفة القاسية للقرعة، تتصدر الجزائر قائمة الحالات الأكثر تطرفاً في هذا المونديال العملاق. “الخضر” سيلعبون في مجموعة بجدول مبعثر تماماً، ما يجبرهم على عبور القارة الأميركية الشمالية من غربها إلى وسطها. بين سان فرانسيسكو الواقعة على الواجهة المطلة على المحيط الهادئ، وكانساس سيتي في قلب الولايات المتحدة، ستقطع الجزائر 4840 كيلومتراً من التنقلات. بالنسبة لمنتخب اعتاد خوض المنافسات في نطاقات جغرافية مدمجة نسبياً، يبدو هذا التحدي اللوجستي بمثابة بعثة عالمية مصغرة في كل مباراة، ما يجعل إدارة التعافي والنوم ودورات التدريب أكثر تعقيداً.

والجزائر ليست الضحية الوحيدة لهذا التوزيع الجغرافي الفوضوي. فالفائز بمسار الملحق الأوروبي “المسار الأول” (إيطاليا، ويلز، البوسنة والهرسك، أو إيرلندا الشمالية) سيواجه بدوره سيناريو مرهقاً يتضمن 5040 كيلومتراً، مع مدن متباعدة مثل تورونتو، لوس أنجلوس، وسياتل. وهي مسافات ليست ثانوية بالنسبة لمنتخبات مطالبة بالوصول إلى قمة لياقتها خلال أول ثلاثة مباريات فقط. الأمر نفسه ينطبق على الفائز بملحق فيفا (كاليدونيا الجديدة، جامايكا، أو جمهورية الكونغو الديمقراطية)، إذ سيخوض أحد أكثر المسارات استنزافاً للطاقة في البطولة بمسافة 3658 كيلومتراً. وإلى جانب هذه الحالات الحرجة، تظهر أيضاً منتخبات أخرى من بين الأكثر سفراً في مرحلة المجموعات: بلجيكا التي ستتنقل بين سياتل ولوس أنجلوس وفانكوفر، والإكوادور التي ستتحرك ضمن مجموعة ذات انتشار جغرافي واسع في شرق الولايات المتحدة، لتقطع 3424 كيلومتراً قبل حتى التفكير في بلوغ دور الـ16.

لكن أحد أكثر الجوانب مفاجأة في هذه النسخة من كأس العالم يظهر في مكان آخر: وضع الدول المستضيفة. فالمثير للدهشة أن كندا، الدولة المضيفة ذات الامتداد الجغرافي الهائل، جاءت ضمن أكثر عشرة منتخبات سفراً، رغم أن برنامجها يقتصر على مدينتين فقط. المشكلة؟ هاتان المدينتان هما فانكوفر وتورونتو، بينهما أكثر من 3358 كيلومتراً، أي ما يعادل رحلة باريس – القاهرة.

ومع انطلاق البطولة، سيضطر المنتخب الكندي إلى خوض أحد أطول التنقلات الداخلية في الجولة الأولى، وهو أمر غريب لبلد يفترض أن يحظى بأفضلية لوجستية. الوضع نفسه – بشكل لا يقل غرابة – بالنسبة للولايات المتحدة، رغم امتلاكها أكبر عدد من الملاعب. بدلاً من البقاء ضمن منطقة متقاربة، وُضعت الولايات المتحدة في مجموعة تجبرها على القيام برحلة عبر القارة بين أول مباراتين. وهو ما يجعلها بدورها من بين أكثر المنتخبات تنقلاً في مرحلة المجموعات بمسافة 3090 كيلومتراً.

ظهور دولتين مضيفتين ضمن أكثر عشرة منتخبات سفراً يبرز إحدى مفارقات هذا المونديال الثلاثي. فرغم جهود الفيفا لتقليص المسافات، لا تزال بعض الترتيبات تتحدى المنطق الجغرافي. فبدلاً من الاستفادة من موقعهما المضيف، يجد الكنديون والأميركيون أنفسهم يواجهون التحديات نفسها التي تواجه المنتخبات الزائرة: رحلات طويلة، فروق توقيت داخلية، وتخطيط صعب لجدولة الراحة وسط شبكة معقدة من التنقلات.

على الطرف الآخر تماماً، تستفيد بعض المنتخبات بشكل ملحوظ من القرعة والجغرافيا، إذ تُعد من الرابحين الكبار لوجستياً في هذا المونديال الموزع على ثلاث دول. وبشكل استثنائي بالنسبة لمنتخب كبير، ورثت فرنسا أحد أقل برامج السفر في البطولة. فـ”الديكة” سيبقون تقريباً على الساحل الشرقي، ولن يخوضوا سوى رحلتين جويتين قصيرتين: انتقال بسيط بين نيويورك وفيلادلفيا، ثم رحلة قصيرة إلى بوسطن بمسافة لا تتجاوز 565 كيلومتراً، أقل من ساعة طيران في كل مرة. وفي بطولة يقطع فيها البعض نحو 4000 كيلومتر في ثلاثة لقاءات، تبدو هذه ميزة ضخمة.

السنغال، رغم وجودها بين بلدين مختلفين، ستتمتع بالراحة نفسها تقريباً، مع انتقال وحيد بين نيويورك وتورونتو بنحو 550 كيلومتراً، وهو رقم ضئيل بالنسبة للقارة الأميركية. في كلتا الحالتين، ستسهل إدارة النوم، والتعافي، والاستعدادات البدنية، وهي رفاهية ثمينة في بطولة حيث تتحول الطاقة إلى سلاح إضافي. ومن بين المستفيدين أيضاً الأرجنتين، بطلة العالم الحالية، والتي جاءت بشكل مفاجئ ضمن أقل المنتخبات سفراً، إذ ستتنقل مرة واحدة فقط بين كانساس سيتي ودالاس لمسافة 730 كيلومتراً. ثلاثة من عمالقة كرة القدم يدخلون البطولة في ظروف شبه مثالية، بعيداً عن الفوضى اللوجستية التي تلاحق منتخبات أخرى

المغرب قرعة صعبة رياضيًا متوسطة لوجستياً

وفي هذا التصنيف نفسه للفرق الأكثر ارتياحاً، يحتل المغرب موقعاً متوسطاً لكنه مريح للغاية. فـ”أسود الأطلس” سيخوضون رحلتين جويتين فقط، لكنهما قصيرتان وسهلتان: نيويورك ثم بوسطن وأخيراً أتلانتا، بمسافة إجمالية تبلغ نحو 1 812 كيلومتراً، أي ما يعادل رحلة باريس – إسطنبول مقسمة إلى مسافتين معقولتين. بالنسبة لمونديال شديد التعقيد جغرافياً، يبدو هذا امتيازاً حقيقياً. ففي حين ستقطع بعض المنتخبات قارة كاملة لخوض ثلاث مباريات خلال أقل من عشرة أيام، سيلعب المغرب على محور منطقي، جيد الربط، دون اختلافات مناخية حادة بين مدنه. وهو عامل مهم بالنسبة لمنتخب يعتمد كثيراً على شدته البدنية وصلابته التكتيكية. وبالحدّ من الإرهاق الناتج عن السفر، سيحظى المغرب بظروف مثالية تقريباً لدخول مرحلة المجموعات بطاقة قريبة من الحد الأقصى. فقرعته قد لا تكون الأسهل رياضياً، لكنها من أفضل القرعات لوجستياً. وهو امتياز لا ينبغي التقليل من قيمته في بطولة يتحول فيها استهلاك الطاقة إلى سلاح قائم بذاته. ومع رحلة وحيدة تبلغ 2366 كيلومتراً، ستسافر إسبانيا مرة واحدة فقط ولكن لمسافة أطول. أما البرتغال، فسيكتفي رفاق كريستيانو رونالدو برحلة واحدة قدرها 1 556 كيلومتراً بين هيوستن وميامي.

أفضل 10 منتخبات من حيث المسافات المقطوعة

  • ملحق يويفا المسار الأول (إيطاليا، ويلز، البوسنة والهرسك، إيرلندا الشمالية): 5040 كم في رحلتين (تورونتو → لوس أنجلوس → سياتل)
  • الجزائر: 4048 كم في رحلتين (كانساس سيتي → سان فرانسيسكو → كانساس سيتي)
  • ملحق يويفا المسار الرابع (تشيكيا، مقدونيا الشمالية، إيرلندا، الدنمارك): 4526 كم في رحلتين (غوادالاخارا → أتلانتا → مكسيكو سيتي)
  • جنوب إفريقيا: 3936 كم في رحلتين (مكسيكو سيتي → أتلانتا → مونتيري)
  • ملحق فيفا الأول (كاليدونيا الجديدة، جامايكا، الكونغو الديمقراطية): 3657 كم في رحلتين (هيوستن → غوادالاخارا → أتلانتا)
  • الإكوادور: 3425 كم في رحلتين (فيلادلفيا → كانساس سيتي → نيويورك)
  • كندا: 3359 كم في رحلة واحدة (تورونتو → فانكوفر)
  • بلجيكا: 3285 كم في رحلتين (سياتل → لوس أنجلوس → فانكوفر)
  • النمسا: 3114 كم في رحلتين (سان فرانسيسكو → دالاس → كانساس سيتي)
  • الولايات المتحدة: 3091 كم في رحلتين (لوس أنجلوس → سياتل → لوس أنجلوس)

“ترانسفير ميركاتو” متواجد الآن على “واتس اب” و “تليجرم”! لقد أطلقنا قناتين إخباريتين مخصصتين لآخر أخبار الانتقالات الشتوية 2024 لشهر يناير.. هنا يمكنك متابعة آخر الأخبار من مصادر موثوقة وأسرع من أي مكان آخر وبدون روابط… كل ما عليك فعله للتسجيل هو النقر على رابط القناة للانضمام إلى “واتس آب” (هنا)، وللانضمام إلى قناة “تليجرام” (هنا).

هشام صبحي

صانع محتوى مغربي، ومؤسس موقع ترانسفير ميركاتو في عام 2020، عمل في منابر إعلامية كبرى مثل موقع “سوبر” التابع لشركة أبوظبي للإعلام، وصحيفة الرؤية الإماراتية، وموقع سبورت 360، كما ساهم في إطلاق موقع WWE العالمي في نسخته العربية.
زر الذهاب إلى الأعلى