شرح فضيحة المراهنات التي تورّط فيها حكام الدوري التركي: ما الذي حدث؟ وما الذي ينتظرهم لاحقًا؟
في واحدة من أكبر الفضائح في تاريخ كرة القدم التركية، كشف الاتحاد التركي لكرة القدم عن تورط مئات الحكام والمساعدين في عمليات مراهنة غير قانونية على المباريات، ما أحدث صدمة غير مسبوقة في الأوساط الرياضية وأثار تساؤلات جدّية حول نزاهة المنظومة التحكيمية في البلاد.
التحقيقات التي بدأت بشكل داخلي تحوّلت إلى قضية جنائية مفتوحة تُتابعها النيابة العامة في إسطنبول، بينما يجد الاتحاد نفسه أمام اختبار تاريخي لاستعادة الثقة في كرة القدم التركية التي تعيش منذ سنوات على وقع الأزمات والجدل التحكيمي.
ما الذي حدث؟
أعلن الاتحاد التركي لكرة القدم في مؤتمر صحفي بإسطنبول أن 371 حكمًا من أصل 571 حكمًا نشطًا لديهم حسابات مراهنة، وأن 152 منهم يمارسون القمار بانتظام.
من بين هؤلاء، 7 حكام في الدرجة الأولى و15 حكمًا مساعدًا يخضعون للتحقيق. وأوضح رئيس الاتحاد إبراهيم حاجي عثمان أوغلو أن 10 حكام قاموا بأكثر من 10,000 رهان لكل واحد منهم، بينما وصل أحدهم إلى رقم مذهل بلغ 18,277 رهانًا.
كما وُجد أن 42 حكمًا راهنوا على أكثر من ألف مباراة خلال السنوات الخمس الماضية (منذ عام 2020).
وأوضح حاجي عثمان أوغلو أن هذه النتائج جاءت عقب تحقيق داخلي أجراه الاتحاد، في حين أكدت النيابة العامة في إسطنبول أنها فتحت تحقيقًا رسميًا منذ أبريل الماضي حول شبهات التلاعب بنتائج المباريات، وجرى دمج تحقيق موازٍ من مدينة أنطاليا في القضية نفسها.
حتى الآن، لا توجد أدلة تؤكد أن الحكام المتورطين راهنوا على مباريات كانوا يديرونها شخصيًا، كما لم يُعلن ما إذا كانت هناك محاولات فعلية للتأثير على نتائج المباريات.

ما مصير الحكام المتورطين؟
حتى اللحظة، لم تُتخذ إجراءات تأديبية علنية، لكن نائب رئيس الاتحاد التركي، مكنون أويتاكماز، صرّح لصحيفة حريّت بأن هويات الحكام ستُكشف قريبًا، وسيتعرضون لعقوبات تأديبية صارمة.
ومن الناحية النظرية، قد تصل العقوبة إلى الإيقاف لمدة تتراوح بين 3 أشهر وسنة، لكن بالنظر إلى حجم المخالفات، يبدو أن بعضهم قد يواجه عقوبات أشد وربما السجن، خاصة في حال ثبت أنهم استفادوا ماديًا من نتائج مباريات شاركوا في إدارتها.
ورغم هذه الفضيحة، استمرت منافسات الدوري التركي بشكل طبيعي، ولم يتم تعليق المباريات.
موقف الاتحاد التركي لكرة القدم
افتتح حاجي عثمان أوغلو مؤتمره الصحفي باقتباس من مؤسس الدولة التركية مصطفى كمال أتاتورك:
“القائد العظيم قال: أحب الرياضيين الأذكياء والرشيقين ذوي الأخلاق العالية.”
وأضاف رئيس الاتحاد:
“ابتداءً من اليوم، ستتخذ لجنتنا التأديبية الإجراءات اللازمة. نحن مصممون على تنظيف كرة القدم التركية من أي ظل للفساد، ولن تكون هناك استثناءات.”
ودعا الأندية التركية إلى تحمّل مسؤولياتها ومراقبة نفسها بنفسها، كما يفعل الاتحاد حاليًا.
لماذا التحكيم في تركيا مثير للجدل دائمًا؟
يُعد التحكيم القضية الأكثر حساسية في كرة القدم التركية. لا يكاد يوجد نادٍ أو جمهور لا يعتقد أن التحكيم منحاز ضده أو أن هناك تلاعبًا مؤسسيًا في القرارات.
في مارس 2024، هدد نادي فنربخشه بالانسحاب من الدوري بسبب ما اعتبره ظلمًا تحكيميًا متكررًا. كما شهدت المواسم الأخيرة انسحاب فرق من أرض الملعب احتجاجًا على قرارات الحكام، مثل إسطنبول سبور ضد طرابزون سبور عام 2023، وجالاطا سراي ضد أضنة ديمير سبور في الموسم الماضي.
بلغ التوتر ذروته في ديسمبر 2023، حين اعتدى رئيس نادي أنقرة جوجو، فاروق كوجا، على الحكم حليل أومت ملر بعد نهاية المباراة، ما أدى إلى تعليق جميع المسابقات مؤقتًا، وفرض عقوبة الإيقاف مدى الحياة على كوجا وغرامة مالية على النادي.

حتى المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو، الذي تولى تدريب فنربخشه في صيف 2024، اشتكى من سوء التحكيم وقال إنه لم يكن ليقبل الوظيفة لو علم بمدى الفوضى. وقد تمت إقالته في أغسطس من نفس العام.
ولمحاولة احتواء الأزمة، استقدمت السلطات حكامًا أجانب لتقليل الشبهات، لكن الأمر لم ينجح، إذ كان حكم تقنية الفيديو في إحدى المباريات المثيرة للجدل دنماركيًا.
اللافت أن حاجي عثمان أوغلو نفسه، الذي انتُخب رئيسًا للاتحاد عام 2024 بوعد “تنظيف كرة القدم التركية”، كان قد تورط عام 2015 حين احتجز طاقم تحكيم داخل غرفة لمدة 4 ساعات بعد مباراة لفريقه السابق طرابزون سبور، قبل أن يُفرج عنهم بتدخل من الرئيس رجب طيب أردوغان.
ردود أفعال الأندية
الصدمة كانت عامة، لكن المفاجأة لم تكن تامة. نادي جالاطا سراي قال في بيانه إن الفضيحة “كشفت بوضوح حجم أزمة الثقة والعدالة التي يعيشها الدوري التركي منذ فترة طويلة.”
أما فنربخشه فطالب الاتحاد بمزيد من الشفافية، مؤكداً أن “استعادة مصداقية كرة القدم التركية تتطلب الكشف الكامل عن كل المعلومات دون تردد أو إخفاء.”
بينما قال رئيس النادي الجديد، ساديتين ساران:
“هذه الفضيحة تؤكد أننا كنا على حق منذ البداية.”
نادي طرابزون سبور وصف الأمر بأنه “دليل جديد على الانهيار البنيوي في منظومة التحكيم التركي”.
هل يُسمح للحكام بالمراهنة عادة؟
لا. تحظر قوانين الفيفا الأخلاقية تمامًا على الحكام واللاعبين والمسؤولين أي شكل من أشكال المراهنة على مباريات كرة القدم، سواء كانت مرتبطة بمباريات يديرونها أو لا. وينص المادة 27 من مدونة الفيفا على غرامة لا تقل عن 100,000 فرنك سويسري (نحو 95,000 يورو) ومنع من مزاولة أي نشاط كروي لمدة تصل إلى 3 سنوات.
ماذا سيحدث لاحقًا؟
الجميع الآن ينتظر إعلان الأسماء رسميًا وتحديد ما إذا كانت ستوجه اتهامات جنائية.
الاتحاد التركي لم يحدد جدولًا زمنيًا واضحًا، كما لم يعلّق الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) أو الفيفا إلا ببيان مقتضب جاء فيه:
“الاتحاد الأوروبي على تواصل مع الاتحاد التركي بشأن هذه القضية، ولا تعليق إضافي في الوقت الراهن.”
لكن من المؤكد أن هذه القضية ستُشكّل أكبر اختبار لنزاهة كرة القدم التركية منذ عقود، وأن عواقبها قد تمتد إلى المستويات الأوروبية والدولية أيضًا.





