كيف يتم استئناف الصفقات المعطلة في نظام الانتقالات الدولي للفيفا؟ هكذا أُنقذت صفقة كانتي والنصيري من الانهيار
في الأصل، بدا ملف انتقال نغولو كانتي إلى فنربخشة وكأنه محسوم تمامًا. لاعب الوسط الفرنسي منح موافقته، اجتاز الفحص الطبي، وكل المؤشرات كانت تؤكد أن تجربته مع الاتحاد تقترب من نهايتها. ورغم بلوغه سن 34 عامًا، خرج كانتي من فترة مطمئنة بدنيًا، بعدما خاض عدة مباريات كاملة في الدوري السعودي، في دليل واضح على قدرته على الاستمرار في اللعب على مستوى عالٍ.
لكن هذا الانتقال كان جزءًا من تركيب أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، شمل عدة أندية ولاعبين، وكان مرتبطًا بتوقيت ضيق للغاية. ومع ظهور أولى الأنباء عن وجود مشكلة إدارية، جرى التعامل مع الصفقة على أنها مهددة بالفشل، بل وربما أُغلقت نهائيًا، في ظل صرامة لوائح فيفا التي لا تترك مجالًا كبيرًا للاجتهاد بعد تجاوز المواعيد النهائية.
غير أن الملف شهد تطورًا لافتًا بعد البيان الحازم الذي أصدره فنربخشة، حيث أكد النادي التركي التزامه الكامل بجميع الإجراءات التي تفرضها فيفا: من اتفاقيات تعاقدية، إلى إرسال الوثائق في الوقت المحدد، وصولًا إلى إجراء الفحوصات الطبية. وبحسب رواية فنربخشة، فإن الفشل لم يكن من جانبه، بل ناتج عن خطأ في إدخال البيانات داخل نظام الانتقالات الدولي (TMS) من طرف نادي الاتحاد، والمتعلق بالصفقة الموازية الخاصة بالمهاجم يوسف النصيري.
هذا البيان لم يكن عابرًا، إذ مثّل في آنٍ واحد إعلانًا عن اعتبار الملف “منتهيًا” من الناحية القانونية، ومحاولة لتبرئة ذمة النادي أمام جماهيره والجهات الرسمية، مع فتح باب إعادة النقاش على أسس جديدة وبعيدًا عن الصيغ المعقدة، ما أعاد الأمل بإمكانية التوصل إلى حل.
نظام TMS… قلب منظومة انتقالات فيفا
لفهم ما حدث، لا بد من العودة إلى جوهر النظام: منصة Transfer Matching System (TMS)، وهي أداة رقمية إلزامية لجميع الانتقالات الدولية، تُدار مباشرة من قبل فيفا. المبدأ بسيط في ظاهره لكنه صارم في تطبيقه؛ إذ يتوجب على الناديين، البائع والمشتري، إدخال معلومات متطابقة تمامًا وبشكل مستقل: هوية اللاعب، طبيعة الصفقة (انتقال نهائي، إعارة، تبادل)، القيم المالية وجداول السداد، مدة العقد، الوثائق القانونية الموقعة، وشهادة الانتقال الدولية (ITC). يقوم النظام بمطابقة البيانات، وأي اختلاف ولو طفيف، أو أي مصادقة بعد الموعد النهائي، يؤدي تلقائيًا إلى تجميد الصفقة.
العامل الحاسم هنا هو التوقيت. فكل شيء يجب أن يُستكمل قبل إغلاق سوق الانتقالات في بلد النادي البائع، والذي كان في هذه الحالة مساء الاثنين عند الساعة 21:59 بتوقيت السعودية. أي تجاوز لهذا الحد يعني بطلانًا قانونيًا كاملًا، حتى وإن كانت جميع الجوانب الرياضية والتعاقدية جاهزة.
في حال تعثر الصفقة، يمكن للأندية نظريًا اللجوء إلى فيفا، لكن بهوامش ضيقة للغاية. الخيار الأول هو طلب تمديد استثنائي للمهلة عبر الاتحاد المحلي وفيفا، ولا يُمنح هذا إلا في حالات نادرة جدًا، عندما يكون التأخير تقنيًا بحتًا وخارجًا تمامًا عن إرادة الأطراف، ومدعومًا بأدلة قاطعة مثل سجلات TMS والمراسلات المؤرخة. أما الخيار الثاني فهو المسار القضائي أمام غرفة فض النزاعات (DRC)، لكنه لا يهدف إلى إقرار الانتقال، بل فقط إلى تحديد المسؤوليات وربما منح تعويض مالي. هذه الإجراءات تستغرق أشهرًا، ولا تفتح سوق الانتقالات بأثر رجعي، ما يعني أن الصفقة تكون قد ضاعت رياضيًا بشكل نهائي.
إذا أُعيد فتح ملف نغولو كانتي وتمت تسويته، فذلك لأنه انتقل إلى إطار مختلف كليًا. فقد جرى التخلي عن صيغة التبادل التي كانت تشمل النصيري، وتحولت المفاوضات إلى انتقال نهائي مباشر يخص نغولو كانتي فقط. وفي هذه الحالة، يبقى السوق التركي مفتوحًا حتى مساء الجمعة، كما أن عقد اللاعب ينتهي في شهر يونيو، وكان قد توصل مسبقًا إلى اتفاق شخصي مع فنربخشة. في المقابل، ورغم أن الاتحاد لم يعد قادرًا على التعاقد مع لاعبين جدد، فإنه كان لا يزال يملك حق بيع لاعبيه، ما يتيح له الحصول على مقابل مالي بدل خسارة كانتي مجانًا بعد أشهر قليلة.
قانونيًا، لم يعد الحديث عن إصلاح صفقة فاشلة، بل عن إنشاء صفقة جديدة تمامًا، أبسط بكثير من حيث تسجيلها عبر نظام TMS. هذه النقطة الدقيقة تفسر كيف أن ملف كانتي مع فنربخشة، رغم فشله إداريًا في المحاولة الأولى، لم يُغلق نهائيًا، إلى أن تم حسمه رسميًا صباح هذا الأربعاء.




