أكثر من مجرد عقد يغيّر الحياة… لماذا بات الدوري السعودي وجهة الحلم للمواهب الفرنسية؟

منذ عام 2023، أحدثت المملكة العربية السعودية تحولًا جذريًا في مشهد كرة القدم العالمية. فبدعم مالي ضخم من صندوق الاستثمارات العامة، دخلت أندية الخليج بقوة على خط التعاقد مع أبرز نجوم كرة القدم الأوروبية. في المرحلة الأولى من المشروع السعودي، حط لاعبون من طراز كريستيانو رونالدو، كريم بنزيما، نيمار ونغولو كانتي رحالهم في الدوري السعودي. تعاقدات مدوية هدفت إلى رفع التنافسية داخل الدوري السعودي للمحترفين، والأهم إلى تعزيز الانتشار الدولي للمسابقة، تمهيدًا لاحتضان كأس العالم 2034 على الأراضي السعودية.

بعد عامين ونصف من ذلك الميركاتو الاستراتيجي، أطلقت السعودية المرحلة الثانية من خطتها، عبر استقطاب لاعبين شبّان واعدين قادرين على التطور بالتوازي مع تطور المسابقة نفسها. هذا الخطاب لاقى صدى واسعًا لدى المواهب الفرنسية الشابة، التي لم تعد تتردد في خوض التجربة السعودية. قرارات تُتخذ في سن مبكرة بشكل متزايد، كما يظهر من انتقال ناثان زيزِي (2005) وسايمون بوابرِيه (2006) من الدوري الفرنسي الصيف الماضي إلى نيوم، في حين التحق قادر ميتِي (2007) بـالهلال، ووصل جورج إيلينيخينا (2006) إلى الاتحاد، مع انتظار وصول رايان ميسي (2007) هو الآخر إلى نيوم. قرارات مفصلية في هذه المرحلة المبكرة من المسيرة أثارت غضب بعض المتابعين على مواقع التواصل. لكن هل هذه المواهب الفرنسية مخطئة بالضرورة؟ إليكم بعض عناصر الإجابة.

الانضمام إلى السعودية… فرصة العمر لعدة أسباب

في المقام الأول، لا يمكن تجاهل الدافع الرئيسي الذي يقف خلف هذه الانتقالات: العامل المالي. هؤلاء اللاعبون ما زالوا في بداياتهم، ورواتبهم في أوروبا تبقى محدودة. وعندما يصل عرض مالي ضخم من السعودية، يصبح التردد أمرًا طبيعيًا. هذا الواقع شرحه بوضوح مدرب رين حبيب بيي بعد رحيل قادر ميتِي إلى السعودية، حين قال إن السوق يفرض منطقه، وإنه من الصعب منع لاعب من الذهاب لما يراه “فرصة العمر” أو “عقد حياته”، في ظل عجز الأندية الأوروبية عن مجاراة تلك العروض.

بعيدًا عن المال، يفرض الجانب الرياضي نفسه في النقاش. فعلى الورق، يبدو الهلال أقوى فنيًا من ستاد رين. وبالنسبة لمهاجم يبلغ 18 عامًا، قد يكون العمل إلى جانب أسماء مثل كريم بنزيما، داروين نونيز، روبن نيفيش وسيرجي ميلينكوفيتش-سافيتش أكثر جاذبية من البقاء في فريق أقل خبرة. المنطق ذاته ينطبق على ناثان زيزِي، الذي غادر نانت للعب في نيوم إلى جانب لاكازيت وبن رحمة، تحت قيادة المدرب كريستوف غالتييه، وهي خطوة لا تبدو بالضرورة تراجعًا فنيًا. إضافة إلى ذلك، فإن استدعاء نغولو كانتي إلى يورو 2024 يؤكد أن اللعب في السعودية لا يغلق أبواب منتخب فرنسا.

في الوقت نفسه، بات اللاعبون الشبان يدركون أن باب الخروج من السعودية ليس مغلقًا. غابري فييغا غادر الأهلي نحو بورتو، كما ارتبط اسم موسى ديابي بـإنتر ميلان، وكان ماركوس ليوناردو قريبًا من أتلتيكو مدريد. هذه المؤشرات تعكس أن الأندية الأوروبية لا تنظر بازدراء إلى الدوري السعودي. ويضاف إلى ذلك نجاح لاعبين مثل محمد سيماكان، موسى ديابي، حسام عوار، كينغسلي كومان، إنزو ميلو وفالنتان أتانغانا، فضلًا عن عامل الراحة الدينية الذي يمثل عنصرًا مهمًا للاعبين المسلمين. ومع كل هذه المعطيات، يصبح من الصعب الجزم بأن اختيارات هؤلاء الشبان خاطئة.

خيار يثير التساؤلات في هذه المرحلة من المسيرة

مع ذلك، يمكن تفهم استياء جماهير كرة القدم من هذه القرارات. فهؤلاء اللاعبون، وهم في بداية الطريق، يختارون جني الأموال سريعًا بدل بناء مسيرة أوروبية تقليدية قائمة على التتويج بالألقاب والمنافسة في أرقى البطولات. خيار يتناقض مع الصورة الكلاسيكية لمسار اللاعب قبل دخول السعودية بقوة إلى المشهد العالمي. وإذا كان مفهومًا أن يتجه لاعب في نهاية مسيرته إلى الخليج، فإن اتخاذ القرار نفسه في سن 18 أو 19 عامًا يبدو غريبًا لدى كثيرين.

كما يطرح هذا المسار تساؤلات حول طموح اللاعب على المدى البعيد. فحتى لو عاد لاحقًا إلى أوروبا، قد تُرسَم عنه صورة لاعب يبحث أولًا عن المال، ما قد يدفع بعض الأندية أو المراقبين إلى اعتباره أقل موثوقية. هذا الانطباع، سواء كان عادلًا أم لا، قد يؤثر على فرصه مستقبلًا. يضاف إلى ذلك الخطر الرياضي، إذ قد يواجه اللاعب صعوبة في التطور داخل دوري أقل تنافسية من أوروبا، دون ضمانات حقيقية للنجاح أو القدرة على العودة لاحقًا إلى المستوى الأعلى. في نهاية المطاف، يبقى هذا الخيار مغامرة كبيرة، تحمل في طياتها فرصًا استثنائية بقدر ما تنطوي على مخاطر حقيقية لمسار مهني لا يزال في بداياته.

يسر “ترانسفير ميركاتو” أن يعلن عن إطلاق قناتين رسميتين على واتس آب وتليجرام، مخصصتين لمتابعة آخر أخبار الانتقالات. تابع معنا أحدث الأخبار من مصادر موثوقة وبشكل أسرع وأسهل من أي مكان، دون الحاجة لروابط معقدة. للانضمام، فقط اضغط على رابط قناة “واتس آب” (هنا)، أو رابط قناة “تليجرام” (هنا) وكن أول من يحصل على الأخبار!

هشام صبحي

صانع محتوى مغربي، ومؤسس موقع ترانسفير ميركاتو في عام 2020، عمل في منابر إعلامية كبرى مثل موقع “سوبر” التابع لشركة أبوظبي للإعلام، وصحيفة الرؤية الإماراتية، وموقع سبورت 360، كما ساهم في إطلاق موقع WWE العالمي في نسخته العربية.
زر الذهاب إلى الأعلى